هوامش الظل

            👤  هوامش الظل

رجلٌ يشبه الجميع، لكنه لا ينتمي إلى أحد. يستيقظ كل يوم على وخز الأسئلة التي لا يطرحها إلا هو، وينام على أرصفة التفكير في أشياء لا تهم أحداً سواه.

يبتسم أحياناً، ليس فرحاً، بل تهكماً على محاولات العالم لبيع الأمل. من يراه يظنه هادئاً، لكنه في الداخل ساحة معركة؛ أفكاره لا تصمت، لكنها لا تصرخ أيضاً.

وكأنه يقول: "أنا لا أنتمي إلى هنا، لكنني مضطر لأن أبدو كما لو أنني أنتمي."

يعيش بين قوسين؛ لا الناس تراه كما هو، ولا هو يهتم لما يرون فيه. فهو لم يبحث عن إجابة، بل أراد أن يتأكد أن أحداً ما، في مكان ما، قد يطرح نفس السؤال…

في صباح يوم هادئ من أيام الصيف الدافئة، وبعد ليلة ممطرة، بزغت شمس لطيفة بين غيوم رقيقة لا تحجب زرقة السماء، لكنها تمتص الوهج وتنشر الضوء في الزوايا المظلمة. ومن بين خيوط الشعاع التي تخترق السماء وتنغرس في الأرض، تمر نسمة هواء عليل، تراقص الأشجار فتصفق أوراقها بإيقاع متناسق، لتصنع لحناً عذباً يذكرك بعظمة الخالق.

شاب يكبح جماح شغفه بالجمال بعمق نفوره من السطحية، يمشي في وقت مبكر، حيث الطريق كأنها خالية؛ المركبات لم تستيقظ، والناس ما زالوا في سباتهم. يسعى بخطى متتابعة، ليس لأنه متأخر، بل لأنه يكره الخطوات المتراخية.

قد تراه يمر من أمامك، وينظر باتجاهك، وأنت حتى إن ناديته لن يسمعك؛ وكأنه منشغل بالإنصات إلى الصمت الصاخب الذي قد لا يسمعه أحد، فيسكت الضوضاء من حوله. وعلى الرغم من هذا، لم تصدمه سيارة حتى الآن، وكأنه يراقب فقط ما يراه خطراً.

معظم الناس يأتون فقط حين يفرض عليهم الوقت، أما هو فيأتي لسبب آخر. تراه وكأنه متجه للقاء أحد ما، لكن في النهاية تراه يختار أن يبقى وحده، قدر ما يستطيع.

وصل قبل الجميع، ومازالت الأسطح تحتفظ ببرودة الليل. وبينما هو يجلس وحده في أحد المقاعد ويتأمل في هاتفه المطفي، إذا به يسمع خطوات تقترب. هو لم يلتفت لكنه كان يلمح الظل يدنو منه. كانت إحدى الفتيات، أتت وجلست مقابله رغم وجود مقاعد أخرى فارغة.

لم يقل شيئاً، لكن بعد برهة من الوقت كسرت حاجز الصمت وقالت:
– "تبدو وكأنك تفكر كثيراً."

نظر إليها وقال بهدوء:
– "لا أفكر… أحاول فقط أن أتوقف عن التفكير."

ابتسمت بخفة:
– "التوقف عن التفكير يشبه محاولة النوم وأنت تراقب نفسك تنام."

صمتت قليلاً ثم سألت:
– "هل تشعر أنك تنتمي إلى هذا المكان؟"

أجاب قائلاً:
– "أحضر كل يوم، لكن… ربما أنا مجرد ضيف مؤقت."

نظرت إليه مليّاً، ثم قالت:
– "أنا لا أشعر أنني أنتمي، وكأنني أعيش حياة غيري. أقول ما يجب أن يُقال، وأبتسم حين يُنتظر مني ذلك."

ردّ بعد صمتٍ قصير:
– "العالم يحبّ النماذج الجاهزة؛ المتفائل، الناجح، الاجتماعي... أما من يفكر بصوتٍ مختلف، فيُعتبر خطأ في النظام."

وقفت بعد لحظة، وقالت بابتسامة:
– "ربما أراك هنا مجدداً… أو لا. لا فرق، المهم أننا تقابلنا يوماً."

لكنه لم يرد، بل عاد ليطالع هاتفه. وكأنه يقول في نفسه: "لا داعي للرد، أي كلمة أخرى ستبدو وكأنها إستجداء لبقائها."

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من خطبتي لهذه الجمعة (1)

من خطبتي لهذه الجمعة (2)