من خطبتي لهذه الجمعة (2)
🕌
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أحييكم بتحية الصدق، فسلامٌ على من جعل من صومه لجاماً لهواه قبل أن يكون حرماناً لجسده. وأشدُّ على يد من أيقظ ضميره قبل نوم حواسه.
الحمد لله الذي جعل الدين معاملة لا مجرد مظاهر، والصلاة والسلام على من بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله الذين فقهوا جوهر الرسالة فعملوا به، وعلى من اتبع هديه كما أمر، أما بعد:
يا أهل الإسلام، لن أعيد عليكم الحديث عن فضل صلاة التراويح أو ليلة القدر، ولن أكرر على مسامعكم أحاديث المفطرات التي تحفظونها عن ظهر قلب وتخالفون غايتها كل يوم. لقد ملأتم الدنيا ضجيجاً بالتهاني، وما زالت الدنيا تضجُّ من سوء أفعالكم.
جئت اليوم لأسألكم: ما الغاية من أن تجوع بطونكم بينما تمتلئ بالحقد قلوبكم؟
يقول الله تعالى مُنكراً على من تغيب عقولهم عن وعي الحقائق:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ٢٤﴾ [محمد: 24].
فعجباً لكم! تمنعون أنفسكم من "اللقمة" في نهاركم، ولا تمنعون أيديكم عن أموال الناس بالباطل، ولا تحفظون ألسنتكم عن النميمة في ليلكم ونهاركم!
تخشون أن تنزلق قطرة ماء إلى جوفكم فيفسد صومكم، ولا تخشون أن تخرج من أفواهكم كلمات تقطع الأرحام وتخرب البيوت وتنهش الأعراض!
كيف يرجو رحمة الله من يغلق بابه في وجه المحتاج بينما مائدته تفيض بما لذ وطاب ويفضل أن يرمي بها في القمامة؟
ألم يقل الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].
إن رمضان ليس "هدنة" مؤقتة مع المعاصي، بل هو ثورة على النفس. فمن لم يغيره الصيام في أول يوم، لن يغيره في آخر ليلة.
لقد جعل الله الأرض لنا مستقراً لنعمرها بالعدل، لا لنفسد فيها حتى ونحن صائمون.
أيها الناس، إن الله غني عن جوعكم إن لم يصحبه ورع. فبدلاً من أن تحصوا عدد الختمات، أحصوا كم مرة كففتم أذاكم واحسنتم إلى جيرانكم، وكم مرة صدقتم في بيعكم وشرائكم، وكم مرة غلبتم فيها تكبركم فاعتذرتم لمن ظلمتم.
أتظنون أن الصيام مجرد تغيير لمواعيد الطعام؟
انظروا إلى أخلاقكم في الزحام، وتعاملاتكم مع الآخرين؛ هناك يُعرف الصائم الحقيقي من المدعي. فالإسلام لم ينزل ليكون ديناً محبوساً في المحاريب، بل ليكون منهج عدلٍ بين الناس.
أيها المسلمون، إن الله ليس بحاجتكم لتتركوا الطعام إن لم تتركوا شهوة الانتقام، وغبار الكذب، ورجس الخيانة. اجعلوا صيامكم طهارة للسان من الغيبة، وللقلب من الحسد، ولليد من البطش. فإن خلت أيامكم من هذه القيم، فما صومكم إلا عبث وتعب ومشقّة. فكونوا ممن يتركون أثراً طيباً أينما حلوا.
قفوا مع أنفسكم وقفة صدق: هل يرى الناس فيكم أثر محمد ﷺ؟ وهل تعبدون الله كما أمر، أم تعبدونه كما تشتهي عاداتكم؟
أصلحوا ما بينكم وبين الناس، يصلح الله ما بينكم وبينه. لا تنتظروا مِن مَن في السماء المعجزات وأنتم لم تبذلوا في الأرض أبسط مقتضيات الإنسانية.
لقد بلغتكم ما أراه حقاً، فمن شاء فليعمل ومن شاء فليبقَ على عادته، والحساب عند رب العباد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
✍️: الفقيه عمادوفسكي