من خطبتي لهذه الجمعة (1)

🕌

                 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

السلام عليكم أيها المسلمون، والسلام على من اتبع الهدى.
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
عباد الله، لم آتِ اليوم لأعلمكم كيف تتوضؤون، ولا كيف تصومون أو تزكون، ولم آتِ لأسرد لكم قصص الصالحين والأنبياء، ولا لأصف لكم نعيم الجنة وعذاب النار، فكل ذلك سبق وعرفتموه ولم تعملوا به، أما بعد:

عباد الله، إنما أتيت لألقي عليكم كلمات لعلها تكون مفتاحاً لمن يتعظ.

يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ۝١٦﴾ [الحديد: 16].

ويقول الله تعالى:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۝١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ۝١٩﴾ [القيامة: 16-19].

وأنا أقول لكم: ألم يأن لنا أن ننقذ أنفسنا من أنفسنا، ونعود إلى الله فنسير على نهج القرآن؟!

أنت يا من تكذب، هل استذكرت قول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105].

أنت يا من تخون، هل استذكرت قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].

أنت يا من تظلم، هل استذكرت قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].

وأنت يا صاحب المال، هل استذكرت قول الله تعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5].
وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19].

وأنت أيها البائع، هل استذكرت قول الله تعالى:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1].

قال تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
لكن السؤال: هل أدينا أمانة الاستخلاف؟ أم ضيعناها بالظلم والخيانة والهوى؟

هل اتبعنا الإسلام كما يجب؟
أيها الناس، ألزموا أنفسكم بالإحسان لعل أرواحكم تستقيم للهدى، وازرعوا في أنفسكم تقوى الله لعل الله يرفع ما بكم من مصائب. ولا تحسبوا أن غاية الدين أن تجتمعوا هنا وتتحرك بالصلاة أجسادكم وتلوى بالقرآن ألسنتكم وقلوبكم شتى، كل يفكر كيف سيضر أخاه إذا خرج من هنا.

عباد الله، كونوا للناس كما تريدون الناس أن يكونوا لكم، أحسنوا إلى غيركم يحسن الله إليكم، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، والمؤمنون إخوة.

أيها المسلمون، كم جمعة تحدثنا فيها عن الصلاة، فهل حافظتم على صلواتكم؟ وكم جمعة تحدثنا فيها عن الصدقات، فهل تصدقتم؟ وكم جمعة تحدثنا عن حفظ اللسان، فهل حفظتم ألسنتكم؟ وكم جمعة تحدثنا فيها عن غض البصر، فهل أنتم ممن يغضون أبصارهم؟ وكم جمعة تحدثنا فيها عن الأمانة، فهل أديتم أماناتكم؟ وكم جمعة تحدثنا فيها عن الخوف من الله، فهل ردعكم ذلك عن المعاصي في الخلوات؟

أيها الناس، ابدأوا بالصدق من عند أنفسكم، ولا تنتظروا حتى يصدق الناس، فكلٌّ محاسب على أعماله وحده.

أيها الناس، قفوا أنفسكم واسألوها عند كل موقف: هل هذا تصرف مسلم؟ هل هذا اتباع لهدي محمد صلوات الله عليه وعلى آله؟
أيها الناس، لقد كثر الهرج وانتشر الفساد وكثرت الفتن، فكفوا عن التذمر وابدأوا بإصلاح أنفسكم، ربوا أولادكم على الإحسان والتقوى، وبروا والديكم يبركم أولادكم، واستذكروا غضب الله مع رحمته، وعذابه مع مغفرته، فما من أحد منكم يستحضر واحدة وينسى أخرى إلا سقط في شر أعماله.

قد قلت ما لن ينفعكم إن لم تعملوا به، وأستغفر الله لي ولكم.

﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: 61].


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هوامش الظل

من خطبتي لهذه الجمعة (2)